أحمد بن محمد المقري التلمساني
307
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
إنه إما أن تهيج حفيظته « 1 » ، وتثور إحنته « 2 » ، فيكشف وجه المطالبة مستكثرا بالأمة التي داس بها أهل قشتالة ، فراجع أمره غلابا ، وحقه ابتزازا واستلابا ، أو يصرفها ويهادن المسلمين بخلال ما لا يدع جهة من جهات دينه الغريب إلا عقد معها صلحا ، وأخذ عليها بإعانتها إياه عهدا ، ثم تفرغ إلى شفاء غليله ، وبلوغ جهده ، ولا شك أنها تجيبه صرفا لبأسه عن نحورها ، ومقارضة كما وقع باطريرة من مضيق صدورها ، ومؤسف جمهورها ، وكل من له دين ما فهو يحرص على التقرب إلى من دانه به وكلفه وظائف تكليف ، رجاء لو عده وخوفا من وعيده ، وبالله ندفع ما لا نطيق من جموع تداعت من الجزر ووراء البحور والبر المتصل الذي لا تقطعه الرفاق ، ولا تحصي ذرعه الحذاق « 3 » ، وقد أصبحنا بدار غربة ، ومحل روعة ، ومفترس نبوة ، ومظنة فتنة ، والإسلام عدده قليل ، ومنتجعه في هذه البقعة جديب ، وعهده بالإرفاد والإمداد من المسلمين بعيد ، رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] إلى آخر السورة . وإذا تداعت أمم الكفر نصرة لدينها المكذوب ، وحمية لصليبها المنصوب ، فمن يستدعي لنصر دين اللّه وحفظ أمانة نبيه إلا أهل ذلك الوطن ؟ حيث المآذن بذكر اللّه تعالى تملأ الآفاق ، وكلمة الإسلام قد عمت الربا والوهاد ، إنما الإسلام غريق قد تشبّث بأهدابكم ، يناشدكم اللّه في بقية الرمق ، وقبل الرمي تراش السهام « 4 » ، وهذا أوان الاعتناء ، واختيار الحماة ، وإعداد الأقوات ، قبل أن يضيق المجال ، وتمنع الموانع ، وقد وجهنا هذا الوفد المبارك للحضور بين يديكم مقرّرا الضرورة ، منهيا الرغبة ، مذكرا بما يقرب عند اللّه ، مذكّرا لذمام الإسلام ، جالبا على من وراءهم بحول اللّه تعالى من المسلمين البشرى التي تشرح الصدور ، وتسني الآمال ، وتستدعي الدعاء والثناء ، فالمؤمن كثير بأخيه ، ويد اللّه مع الجماعة ، والمسلمون يد على من سواهم ، والمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، والتعاون على البر والتقوى مشروع ، وفي الذكر الحكيم مذكور ، وحق الجار مشهور ، وما كان جبريل يوصي به في الصحيح مكتوب « 5 » ، وكما راع المسلمين اجتماع كلمة الكفر ، فنرجو أن يروّع الكفر من العز بالله ، وشدّ الحيازيم في سبيل اللّه ، ونفير النفرة لدين اللّه ، والشعور لحماية « 6 » الثغور وعمرانها ، وإزاحة عللها ، وجلب الأقوات إليها ، وإنشاء الأساطيل ، وجبر ما تلف من عدة البحر أمور
--> ( 1 ) الحفيظة : الغضب . ( 2 ) الإحنة : الحقد . ( 3 ) الحذاق : جمع حاذق ، وهو الماهر المدرب . ( 4 ) مثل معناه : يجب الاستعداد للأمر والتهيؤ له . ( 5 ) اعتمادا على الحديث الشريف « ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه » . ( 6 ) في ب ، ه « والشعور في حماية الثغور » .